يواجه الاقتصاد الصيني الكثير من المتاعب والأزمات في الوقت الحالي، حيث أدى انهيار سوق العقارات والانكماش المزمن إلى تآكل ثروات الناس وتراجع قيمة دخولهم المالية، فيما يتم رصد ظاهرة موازية وهي أن البعض استطاع الاستفادة وتكوين الثروة على الرغم من هذه الأزمة الاقتصادية.وفقدت العقارات السكنية في الصين، حيث يخزن الصينيون الجزء الأكبر من ثرواتهم، خُمس قيمتها في المتوسط منذ عام 2021، كما أن نمو الأجور ضعيف، وتحوم نسبة بطالة الشباب حول 17%، ويجد بعض الخريجين أنفسهم مضطرين للعمل في وظائف غير مستقرة في اقتصاد العمل الحر، بينما يقول آخرون إنهم يفضلون البقاء في منازلهم بدلاً من البحث عن عمل شاق. وقال تقرير نشرته مجلة “إيكونوميست” البريطانية، واطلعت عليه “العربية Business”، إنه وسط هذا الكم الهائل من الخاسرين، تبرز فئة واحدة رابحة في الصين، وهم من يسميهم الزعيم شي جين بينغ باسم “نونغ تشاوير”، وهو مصطلح صيني يشير إلى أولئك الذين “يستغلون الفرص” في ظل التغيرات الاقتصادية الكبرى.
ويقول التقرير إن هذا التيار يتجه اليوم نحو التقنيات الاستراتيجية، كالذكاء الاصطناعي والروبوتات، التي تهيمن على خطط البلاد الخمسية للتفوق التكنولوجي، وهؤلاء الشباب الأذكياء، والذين ينحدرون أحياناً من خلفيات متواضعة، لا يتباهون بثرواتهم المتنامية، ولا ينظرون إلى المسؤولين كمصدر للوائح مزعجة يجب تجنبها، بل كأكبر داعميهم، وقد التقى الرئيس شي جين بينغ بمجموعة منهم علناً مؤخراً. ويختلف هؤلاء الشباب عن الفائزين السابقين في عدة جوانب، أهمها التعليم، ففي العقود الأخيرة، خلقت النهضة الاقتصادية في الصين موجات متتالية من الفرص للموهوبين أو المحظوظين: من الصناعات التحويلية البسيطة في أوائل الألفية الثانية إلى ازدهار التجارة الإلكترونية في العقد الثاني من الألفية الثانية، وصولاً إلى طفرة العقارات التي استمرت حتى عام 2021. وقد أنتجت كل موجة منها أصحاب الملايين والمليارات. وفي أوقات الازدهار الاقتصادي، كانت حتى شهادة من جامعة متواضعة تُعدّ إنجازاً كبيراً، ففي عام 2017 كشف مسحٌ شمل ألفي رجل أعمال صيني من الأثرياء أن نصفهم لم يحصلوا على أي شهادة جامعية. وتقول “إيكونوميست” إن رواد الأعمال الصينيون يمثلون اليوم نخبةً متميزة، فهم عادةً ما يحملون شهادات في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات من إحدى أفضل أربعين جامعة في الصين، والمعروفة باسم “مجموعة 985″، والتي تُخرّج سنوياً 460 ألفاً فقط من أصل 12 مليون خريج في البلاد (بما في ذلك طلاب الماجستير والدكتوراه). ومن بين أصغر أعضاء هذه المجموعة الذين التقاهم الرئيس شي جين بينغ، على سبيل المثال، تشانغ لينفنغ، المؤسس المشارك لشركة تُطبّق الذكاء الاصطناعي في العلوم؛ وتشن جيانيو، مؤسس شركة روبوتات؛ ووانغ هي، عالم روبوتات آخر يعمل على الذكاء الاصطناعي المُجسّد، وجميعهم وُلدوا في التسعينيات وتخرّجوا من مؤسسات 985. وكانت الفرص في الاقتصاد الصيني مُتاحة في أماكن عديدة، من العلاقات الاجتماعية إلى الأراضي. ويقول لي جينغ يوان، خريج جامعة تشجيانغ (إحدى جامعات 985) ومؤسس شركة تصنيع طابعات ثلاثية الأبعاد، إن هذه الوظائف تتجه الآن في المقام الأول إلى من يتقنون التكنولوجيا.وتشير بيانات حكومية إلى أن الوظائف المربحة تتركز بشكل متزايد في أعلى مستويات قطاع التكنولوجيا. أما القطاع المالي، فرغم أنه لا يزال مزدهراً، إلا أنه لم يشهد سوى نمو بطيء في الرواتب خلال السنوات القليلة الماضية وسط حملة على مكافآت المصرفيين، أما المحامين فكانوا أصحاب الوضع الأسوأ.لكن أعلى 10% من مهندسي البرمجيات من حيث الرواتب شهدوا نمواً في أجورهم بنسبة 8% سنوياً بالقيمة الحقيقية منذ عام 2020. وقد حظي المهندسون الأكثر ذكاءً بزيادات في رواتبهم وسط منافسة شرسة على المواهب بين شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى. ويعترف باحث في مجال الذكاء الاصطناعي في إحدى هذه الشركات في بكين بأنه يملك من المال أكثر مما يدري كيف ينفقه، ويضيف أنه “يقضي معظم وقته في العمل، وهوايته، المشي لمسافات طويلة، وهذا لا يسمح له بإنفاق الكثير من المال”. وتقدم شركة “ديب سيك”، الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي في الصين، رواتب تزيد عن 1.4 مليون يوان (200 ألف دولار) سنوياً، أي عشرة أضعاف متوسط راتب الموظف العادي في الصين. ويُقدّم المسؤولون المحليون دعماً مالياً لتكاليف البحث والتطوير، وإيجار المكتب، والسفر إلى المؤتمرات الخارجية. ويُشيد الكثير من العاملين بالطريقة التي “يمنع بها المسؤولون المنافسة المفرطة والمدمرة” من خلال تثبيط حروب المزايدة على براءات الاختراع الجديدة من الجامعات. ويقول فريد تشو، البالغ من العمر 32 عاماً، والذي تبيع شركته برمجيات مراقبة تعمل بالذكاء الاصطناعي لحكومة هانغتشو مقابل حوالي 10 ملايين يوان سنوياً: “الحكومة هي القوة الأكثر استقراراً في البلاد، لذا كلما اقتربت منها، ازددت استقراراً”، وتُستخدم هذه البرمجيات لتتبع حالة الطرق والبيئة في الوقت الفعلي.
المصدر – العربية

